أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

388

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ومن جهة الصناعة أما من جهة المعنى فلأن الرسول هنا هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وقد أخبر تعالى أنه من يطع اللّه رسوله فهو مع من ذكر ولو جعل « مِنَ النَّبِيِّينَ » متعلقا ب « يُطِعِ » لكان « مِنَ النَّبِيِّينَ » تفسيرا ل « مَنْ » الشرطية فيلزم أن يكون في زمانه عليه السّلام أو بعده أنبياء يطيعونه وهذا غير ممكن لقوله تعالى : وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ « 1 » وقوله عليه السّلام : « لا نبي بعدي » وأما من جهة الصناعة فلأن ما قبل الفاء الواقعة جوابا لا يعمل فيما بعدها لو قلت : أن تضرب يقم عمرو زيدا لم يجز وهل هذه الأوصاف الأربعة لصنف واحد من الناس أو لأصناف مختلفة ؟ قولان . قوله : وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً في نصب « رَفِيقاً » قولان : أحدهما : أنه تمييز . والثاني : أنه حال وعلى تقدير كونه تمييزا فيه احتمالان : أحدهما : أن يكون منقولا من الفاعلية وتقديره : « وَحَسُنَ » فالرفيق على هذا غير المميز ولا يجوز دخول « من » عليه . والثاني : ألا يكون منقولا فيكون نفس المميز وتدخل عليه « من » وإنما أتى به هنا مفردا لأحد معنيين : أما لأن الرفيق كالخيط والصديق في وقوعها على المفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد . وأما اكتفاء بواحد عن الجمع لفهم المعنى وحسن ذلك كونه فاصلة ويجوز في أولئك أن يكون إشارة إلى النبيين ومن بعدهم وأن يكون إشارة إلى من يطع اللّه ورسوله وإنما جمع على معناها وعلى هذا فيحتمل أن يقال : أنه راعى لفظ « من » في قوله « رَفِيقاً » ومعناها فجمع في قوله « أُولئِكَ » إلا أن البداءة في ذلك بالحمل على اللفظ أحسن وعلى هذا فيكون قد جمع فيها بين الحمل على اللفظ في يُطِعِ » ثم على المعنى في « أُولئِكَ » ثم على اللفظ في « رَفِيقاً » . والجمهور على فتح الحاء وضم السين من « حَسُنَ » وقرأ أبو السمال بفتحها وسكون السين تخفيفا نحو « عضد » في « عضد » وهي في لغة تميم ويجوز : وحسن بضم الحاء وسكون السين كأنهم نقلوا حركة العين إلى الفاء بعد سلبها حركتها وهذه لغة بعض قيس . وجعل الزمخشري هذا من باب التعجب فإنه قال : « فيه معنى التعجب كأنه قيل : وما أحسن أولئك رفيقا ولاستقلاله بمعنى التعجب قرىء « وحسن » بسكون السين يقول المتعجب : « حسن الوجه وجهك » و « حسن الوجه وجهك » بالفتح والضم مع التسكين . قال الشيخ « 2 » : « وهو تخليط وتركيب مذهب على مذهب فنقول : اختلفوا في « فعل » المراد به المدح : فذهب الفارسي وأكثر النحويين إلى جواز إلحاقه بباب نعم وبئس فقط فلا يكون فاعله إلا ما يكون فاعلا لهما وذهب الأخفش وأبرد إلى جواز إلحاقه بفعل التعجب فلا يجري مجرى نعم وبئس في الفاعل ولا في بقية أحكامها فتقول : لضربت يدك و « لضربت اليد » فأخذ التعجب من مذهب الأخفش والتمثيل من مذهب الفارسي فلم يتبع مذهب من المذهبين وأما جعله التسكين والنقل دليلا على كونه مستقلا بالتعجب فغير مسلم لأن الفراء حكى ذلك لغة في غير ما يراد به التعجب » .

--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، الآية ( 30 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 289 ) .